الشيخ محمد رشيد رضا

360

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فقدها . أم يكون ساخطا على ربه وحاسدا لأهلها ؟ واما قوله تعالى ( وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ) فجمهور مفسري السلف على أنه اللباس المعنوي المجازي . فعن ابن زيد انه عين التقوى - اي اللباس الذي هو التقوى - وذكر من معناه ما يناسب المقام فقال : يتقي اللّه فيواري عورته . وعن زيد بن علي تفسيره بالاسلام . وعن ابن عباس انه الايمان والعمل الصالح قال الايمان والعمل خير من الريش واللباس . وعن معبد الجهني أنه الحياء . وفي رواية عن ابن عباس أنه السمت الحسن في الوجه . ومراده ما يدل على ما عليه النفس من طيب السريرة وبذلك يكون بمعنى ما سبقه . ورووا من الحديث المرفوع ما يؤيده فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال رأيت عثمان على المنبر قال : أيها الناس اتقوا اللّه في هذه السرائر فاني سمعت رسول اللّه ( ص ) يقول « والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد قط عملا سرا الا ألبسه اللّه رداءه علانية ان خيرا فخير وان شرا فشر » ثم تلا هذه الآية . وفيه أنه قال ورياشا ولم يقل وريشا . وفسره عكرمة وعطاء بما يلبس المتقون يوم القيامة قالا هو خير مما يلبس أهل الدنيا ، ومعناه أن اللباس الذي يكون في الآخرة جزاء على التقوى . ذلك خير من لباس أهل الدنيا . هذه أقوالهم ملخصة من الدر المنثور ، وجعله بعضهم من اللباس الحسي الحقيقي ففي بعض كتب التفسير عن زيد بن علي بن الحسين عليهم السّلام أنه لباس الحرب : الدرع والمغفر والآلات التي يتقى بها العدو . واختاره أبو مسلم الاصفهاني . وهو مأخوذ من قوله تعالى في سورة النحل ( 16 : 81 وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ . كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) وقوله تعالى في داود من سورة الأنبياء عليهم السّلام ( 21 : 79 وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ) ولا مانع عندنا من استعمال التقوى هنا فيما يعم هذا وذاك . أي تقوى اللّه بالايمان والعمل وتقوى فتك العدو بلبس الدرع والمغفر ونحوهما . على ما رناه من قبل في مثل هذه المعاني التي لا تتعارض مدلولاتها في الاشتراك وفي الحقيقة والمجاز . والامر أوسع فيما يسمونه عموم المجاز . وأضعف الأقوال في لباس التقوى انه لباس النسك والتواضع كدروع الصوف ومرقعاته التي ابتدعها بعض العباد والمتصوفة . وانما هي شر لا خير لأنها لباس شهوة وشهرة مذمومة وكذا القول بأنه الحسن من الثياب فان هذا هو الريش